

د. عبد الله أبو هيف - تعدّ العتبات النصية أجزاء من الاتجاه النصي النقدي، وأوضح في هذا البحث الإطار النظري لهذا الاتجاه، ولهذه العتبات، وأعمّق تحليلها لدى التطبيق على روايتي أمين الزاوي "الرعشة، إمرأة وسط الروح.. وحكاية أطراف الريح" ، و جيلالي خلاّص "عواصف جزيرة الطيور" أنموذجاً.
1- الاتجاه النصي النقدي (Textual Criticism):
تعزز الاتجاه النصي في النقد بتأثير البنيوية التي تشمل مفهوم الكتابة مؤسسة اجتماعية وبنية إبداعية عنها تتشكل وفق استخدام علاماتها أو تسنينها لدى الانتقال من العمل إلى النص، «فنظرية النص لا تتلاقى إلا مع ممارسة كتابة»([1]) حسب رولان بارت، ويتحدد ذلك بمدى التمكن من صنعة الأسلوب، وبتثمير تقاناته في إظهار المعاني أو الدلالات ضمن الملفوظية الدقيقة كلما تشددت شروط الكتابة([2])، ويسعف ذلك مجانبة عمه الرموز لجلاء المعاني([3])، وتنامى الاتجاه النصي في النقد بتعالقاته مع اللغة نظاماً يتخلل الكتابة والخطاب وأداء يتواشج مع الأعراف والتقاليد والمعتقدات وعناصر التمثيل الثقافية الأخرى، بوصف «الكتابة شبكة معقدة قد لا يعيها المؤلف نفسه من الملفوظات المتكررة»([4])، وتفيد البنيوية هذا الاتجاه النصي كثيراً كلما أوغل النقد في العناية باللغة بعامة والملفوظية بخاصة، وفي فاعلية القراءة اندغاماً في التأويل والتفسير، وأضاف النقد الثقافي ضمن ورثة البنيوية خمسة مستويات لقابلية المصداقية أو الموثوقية عند جوناثان كولر ليكون النص قابلاً للإدراك، أولها النص الاجتماعي بواقعيته، وثانيها النص الثقافي متداخلاً مع الاجتماعي عن مدى المعرفة المشتركة، وثالثها نصوص النوع الأدبي وأعرافه التي تصل حدّ التجنيس، ورابعها الموقف العام مما هو فني لتوثيق هيمنة النص وسلطته، وخامسها قابلية الموثوقية أو المصداقية للنصوص المتداخلة من نص لآخر إزاء تشكلاته ومرجعياته وفنياته لدى إبراز هذا المعنى أو ذاك([5]).
يستند الاتجاه النصي أيضاً إلى طبيعة النص الأدبي تمايزاً بين المستويين الحقيقي والبلاغي، والمقدرة على إبداء العلامة لقوة المعنى، والإعراب عن روابط الكلام وقواعد نظمه إفصاحاً لإسرار اللغة، والإسرار من الأضداد الذي «يشير إلى الظاهر والخفي في آن واحد، وجود مفارق، ظاهريته مفارقة تجمع بين مستويين من الوجود لا يستساغ جمعها عادة»([6]). وآل ذلك إلى منجز علم النص، وقوامه الملفوظ وأدلجته، والانتقال من الرمز إلى الدلالة، وتحديد أدلجة التلفظ، والوظيفة التواصلية للرواية أو المروي، وتناغم الانزياحات لدى الانحراف عن الفضاء النصي أو العدول عنه وإليه، والاكتمال البنائي، وهذا ما رسخّته جوليا كريستيفا تمهيداً لإنتاجية النص وتشكلاته القصصية والدلالية من جهة، والتركيبية والتواصلية من جهة أخرى، مما يفضي إلى الخطاب الناجم عن التداخلات النصية في بناه التكاملية، والتحليل الدليلي يقوي الوعي «بضرورة دراسة المعنى السابق على الكلام الملفوظ»([7]). ويستند الاتجاه النصي في النقد إلى المعطيات التالية:
أ- ارتهان النص لسياقاته القائمة على الأسس المعرفية في بنياته الكبرى كلما تعمقت اتساقات فحوى الخطاب، بتعبير فان دايك، ويستدعي ذلك فهم ضروب السياق وأفعال الكلام لدى فهم أغراض الخطاب الدلالي والتداولي وسياقاتها، واستنتج «أن ضروب الخطاب ينبغي ألا توصف فقط على المستوى التداولي، بل تقتضي مستوى مستقلاً للسينمانطيقا (النسبية) للمتواليات ولبنيات كبرى شاملة»([8]).
ب- يبنى النص لإظهار دلالاته على نظم محددة ومتعددة، للكلام وبلاغته وإبلاغيته وثقافته ورؤاه الفكرية والفنية، ومن أبرز هذه النظم، محاور الإحالة الكلامية ونظم النص التخاطبي ـ الإحالي، والتناصية والمتعاليات النصية، وتكاد تتحكم محاور الإحالة الكلامية ببناء النصوص من خلال تحكميات المرجع والإرجاع ودلالة العلامة اللغوية وأركان الجملة ووظائف اللغة وآلية التخاطب ووحدات المحاكاة، ولا سيما الشخوص والزمان والمكان، وتقنيات النص كالإحالات المطلقة والمقيدة الإشارية واللاإشارية([9])، والفروقات الدلالية الخاصة بالمعجمية وتعاقبها وتداخلها وتراصفها وإبدالها البسيط والمركب، ثم معجمية واضع النص نفسه.
يتركز بناء النص ودلالته على تلازم آلية التخاطب وآلية الإحالة، ويؤشر بناء النص إلى آلية التخاطب كلما أحسن أداء وظيفته الإحالية، من خلال ضبط نظم النص التخاطبي بمستوياته المختلفة وعمليات انتقاله من مستوى تخاطبي إلى آخر، وتحديد التقانات التي تتحقق بها هذه المستويات كالربط اللساني أو الملفوظي، والتمسرح التخاطبي والتماهي التخاطبي، وإضمار الربط وحذفه، وتمايز الأنواع الأدبية([10]).
صار التناص والمتعاليات النصية من بنية النص شكلاً ومضموناً في تركيبه الذي يعزز اتساعه وعمقه وترميزه واستعاريته وخطابيته، كلما تواصل مع العلامية والنحوية والشعرية عند جينيت وريفاتير وتودوروف إشادة للعلاقات النصية بين عمل أدبي وآخر، بين جنس أدبي وآخر حسب مميزات التقليد أو التحويل، وتثبيتاً لشروط قراءة النص المثالية([11]).
جـ- يؤصل النص بالكشف عن تعالقاته المعرفية والتقنية من خلال المنهج الاجتماعي أو المنهج البنيوي التكويني الذي طورّه لوسيان غولدمان، وفهمه جزءاً من علم اجتماع المعرفة، تواصلاً بين الذات والموضوع، وبين الفكر والعالم، وبين الفئات الاجتماعية واندماجها داخل نسق أوسع هو الطبقة الاجتماعية، كلما تحدث عن تكوين الفئات وأنواعها وتأثيرها في شعور الفرد واستجابته للشعور العام السائد، وإدماج الوظيفة الفردية والجماعية «للإبداع المتخيل بالنسبة للبنيات الدلالية الإنسانية التي تتميز بخصائص مشتركة هي كونها علاقات دينامية ومتشكلة ما بين الذات الجماعية أو الفردية وبين البيئة المحيطة بها»([12]).
د- يقوم الاتجاه النصي على التسنين أو التشفير، والمقدرة المنهجية والعلمية على فكّ الشفرات والمفاتيح والعلامات والإشارات لدى الاستفادة من تواصله مع علم الدلالة أو المنهج العلامي، ويتحدد علم الدلالة بالإشارات والرموز كشفاً للوظيفة الدلالية عن المعنى، أشكاله وتغيراته وحقوله الدلالية وتوزعاته واشتقاقاته وإحصاءاته، ورهن علماء اللغة تطور المعنى الدلالي بالأنساق المعرفية الدالة مثل تطور المرجع وإبهام الحافز الاشتقاقي والتنضيد الاجتماعي والعدوى (تماس كلمتين وتبادل التأثير بينهما) والاشتقاق الشعبي وتصنيف الأسباب المؤدية لهذا التطور، وثمة إقرار بقوننة الدلالة بالنظر إلى القواعد العلامية وطبيعة تركيبها النصي([13]).
وسمّى رولان بارت هذه القواعد العلامية «مبادئ في علم الأدلة» في أبعادها اللغوية من الدليل والمدلول إلى الدال والدلالة والقيمة لتشكيل المركب والنظام، و«هما صعيدا اللغة، وعلى الرغم من أن دراستهما ما تزال مجرد إرهاصات وإشارات هنا وهناك، فإنه يجب التفكير في استكشاف عميق، يوماً ما، لمجموع الظواهر التي يطغى بسببها صعيد على آخر، وبكيفية مساحية تقريباً، بالمقارنة مع العلاقات الطبيعية في النظام والمركب»([14]).
غير أن الناقد صلاح فضل التفت إلى العلامات «شفرات النص» التي تضيء «جماليات الواقعية ومنظورها الاجتماعي في المطابقة بين الأبنية الأدبية والوعي التاريخي، وعبر تقديم موسع لمداخل البنيوية والمناهج الأسلوبية على المستوى النظري والتطبيقي، مما حملني حينئذ على الإشارة للأفق السيميولوجي الجديد»([15]).
دعا سامي سويدان إلى علم دلالة عربي ينهض على سيمياء جمالية القصة ودلالاتها التعليمية والفكرية، ويستكمل بمعرفة فضاء النص ومستوى تعبيره الكلامي «فيما يتعلق ضمنه بوضعية الاتصال الخاص بالقول الذي تتبدى آثاره في المقول»، ولا تتوقف الدراسات النصية عند المظهرين الدلالي والشعري «الجانب الداخلي للقصص»، بل تعدته إلى ذلك الجانب الخارجي المتمثل في الأبعاد الاجتماعية ـ التاريخية والنفسانية ـ الذاتية التي يتيح الانطلاق من المعطيات النصية المطروحة التطرق إليها»([16]).
هـ- رهن النص بأسلوبيته، فالنص هو المجال الحقيقي الذي تنعكس فيه الملامح الأسلوبية للكاتب المنشئ، كما أن الأسلوب هو الألق الشخصي لفرادة هذا الكاتب المنشيء، والأسلوب هو الذي يحدد طبيعة التعبير ومصادره أو مظهره، حسب بيير غيرو، وطبيعة التعبير تقصد إحداث القيم العقلية والتعبيرية النفسية والاجتماعية في المتلقي، بما يجعله واضحاً أو صحيحاً أو مربكاً مندفعاً أو ساذجاً، أو عادياً، طاغياً متجبراً أو ساخراً وهزلياً، ومصادر التعبير محكومة بوجهة الخاصية النفسية والاجتماعية والوظيفية كأن يكون الأسلوب صفراوياً أو مزاجياً أو حزيناً أو نسائياً أو طفولياً، أو طبقياً أو حرفياً أو متلائماً مع العادات والتقاليد، أو إدارياً أو قانونياً أو خطابياً أو أدبياً، ومظهر التعبير يربط الأسلوب من حيث الشكل والمضمون وتعبيرية المتكلم بطوابع عديدة، كالأسلوب الموجز أو الاستطرادي أو التصويري، أو الرقيق أو الرفيق الأليف، أو النشط الشهم ذي الأنفة، أو الشاعري أو التقليدي... الخ([17]).
و- تتحدد قراءة النص، وفق المنهج التأويلي أو منهج التلقي بمؤشرات عديدة كالاستعمال والاستجابة والتأويل، وذكر عبد الملك مرتاض حلولاً تتلاقى مع المنهج العلامي، وهي:
1- السمة التي هي المظهر والأداة في النسيج اللغوي.
2- السيميائيات التي هي مجموعة الإجراءات التي نقرأ بواسطتها السمات بصنفيها البسيط والمركب، وبنوعيها الطبيعي والاصطناعي.
3- التواسم، وهذا المصطلح من اقتراحه ليكون مقابلاً للمصطلح الأجنبي semiosie، الذي هو شبكة العلاقات الرابطة بين السمة بوصفها مظهراً، والسيميائيات بوصفها إجراء. وبدون تحكم صارم ودقيق في هذا الجهاز المعرفي لا يمكن أن نطمع في قراءة النص الأدبي، خارجه([18]).
ز- أضيف إلى النص مفهوم الانفتاح تمييزاً بين النص المفتوح open text والنص المغلق closed text بجهد امبرتو ايكو بالدرجة الأولى في مؤلفاته «القارئ في الحكاية» (1979) و«دور القارئ» (1981) و«الأثر المفتوح» (1985)، والنص المفتوح يمنح لمتلقيه قدراً من الحرية ليتمكن من التموقع وسط شبكة من اللاعقات النصية، ويعتمد على التفاعل الحرّ للقارئ مع النص، مثلما يقوم على أساس الرمز فهو مفتوح على التفاعلات والتأويلات، وعندما تعاد قراءة النص «يمكن أن نبدأ القراءة من أي مكان في النص، وكأننا أمام شيء يشبه مدينة حقيقية يمكن أن ندخلها من جميع الجهات»([19])، وأضاف إيكو «أن شعرية الأثر المفتوح، كما يقول بوسور، تحاول أن تعطي الأهمية لأفعال الحرية الواعية عند المؤول، وأن تجعل منه المركز الفعال لشبكة لا تنتهي من العلاقات، وهو يقول من بينها بإنجاز شكله الخاص دون أن تؤثر فيه أية ضرورة يفرضها التنظيم نفسه للعمل»([20]).
لقد ميّز النقاد بين النص المقروء Lisible والنص المكتوب Scriptible، والأول يتسم بسمات النص الحداثي المقارب للنص الكلاسيكي التقليدي الهادف إلى توصيل رسالة محددة ودقيقة ونقلها وافتراض قارئ مستهلك يتواصل مع النص بغاياتها ونظم المحاكاة فيه، والثاني نص مفتوح ما بعد حداثي، يستطيع القارئ في كلّ قراءة أن يكتبه وينتجه، وأن يقتضي التأويل المستمر والمتغير عند كل قراءة، ويغدو القارئ إيجابياً نشطاً، ويكتسب النص تعددية المعنى التي تجلب معها مفهوم النصوصية والنصوصية المتداخلة والنص المتعالق ومفهوم موت المؤلف([21]).
ح- انتشر مفهوم النص المتعالق أو المتفرع أو الممنهل Hyper text بتأثير الحوسبة والمعلوماتية والنشر الإلكتروني، ويفيد قراءة غير خطية متألفة من كتل نصية أو مفردات، بالإضافة إلى حلقات الوصل بينها ومسارات الربط التي تفضي إليها. ويستدعي هذا النوع النصي اعتبارات واشتراطات مختلفة تبدل في محتوى النص وتأويله برمته([22]).
ط- تتصف خصوصيات النص الأدبي بسماته اللغوية وبنيته ووظيفته وأنساق تنضيده وقابليات تلقيه، وتصير هذه السمات إلى اشكال ممانعة كلما استغرق النص في الغموض أو تاه في الإبهام. والأمر الثاني هو أن النص الأدبي مكتف بذاته حسب تودوروف([23])، وثمة اشتراطات أخرى تيّسر تلقي النص.
ي- يتحلى النص بدينامية فعالة كلما أُتقنت تقاناته اللغوية والأسلوبية والتناصية والبلاغية والإبلاغية، وتقصّى أحد اليبوري هذه الدينامية في النص الروائي المغربي، التي فعلّت وظائف الحكي الشعبي والموروثات السردية وطرائق السرد الغربي واستعمال تقنية الحلم والتحول والمفارقة وارتقاء التعبير اللغوي والموضوعي والانشغال بالواقع وأسئلة الراهن، والنمذجة المنطقية الرؤيوية، وقد مثلّت «جل روايات هذا المتن التطور الذي حققته الكتابة الروائية بالمغرب حيث أصبح من الممكن أن نتحدث عن تحول في الأذواق وفي الوعي الأستيطيقي، نتج عنه اهتمام متزايد بالشكل والبناء»([24]).
ك- ينهض الاتجاه النصي في النقد على التمييز بين المعلن والمضمر في النص الأدبي، ويتكشف مثل هذا التمييز في إضاءة الأبعاد الغشارية والرمزية والاستعارية والأسطورية والإحالية الكلامية والثقافية، وحاول سليمان حسين أن يطبّق ذلك في كتابيه «الطريق إلى النص ـ مقالات في الرواية العربية» (1997) و«مضمرات النص والخطاب: دراسة في عالم جبرا إبراهيم جبرا الروائي» (1999). وقد وجد أن الكشف عن المضمر هو الطريق الرئيس إلى النص شأن الإفصاح عن ترميز الدلالة أو وثائقية النص أو عناصر القص الخافية في المتن، إذ يتجلى الخطاب رمزياً في عرض دلالته، وكان النص الرمزي بكلّ وحداته الرمزية، سواء منها ما كان في أدنى الوحدات النحوية وما كان في أعلاها، غنياً بالحالة الشعورية والمنطقية العاطفية.
ورأى أن البنية النصيّة بمفرداتها المكونة وعناصرها جميعها لا تفترق عن الإضمار، ولا يفهم النص وظيفياً إلا «بمحاورته ومقاربته نقدياً، للبحث عن آفاق تطويرية أخرى للادب، وهذه الرؤى جميعها تتعاضد فيما بينها لتؤلف عالماً دراسياً فحواه البحث عن فرضية، بل فرضيات تطويرية للأدب»([25]).
ل- يرتكز الاتجاه النصي على التحليل البنيوي والموضوعي للنصوص من داخلها، ويستند التحليل البنيوي إلى مراعاة طبيعة النص وتجنيسه لغة ووظيفة وأفعالاً ومنظوراً ونظاماً لهذا الجنس الأدبي أو ذاك، ووضع رولان بارت كتابه الشهير «مدخل إلى التحليل البنيوي للقصص» فيما تؤديه التحليلات البنيوي إلى الإفصاح عن المحاكاة والمعنى في الوقت نفسه، على «أن واقعية المتوالية ليست في التتابع الطبيعي للأفعال التي يكّونها، ولكن في المنطق الذي يجلى فيها، ويخاطر، ويكتفي. ويمكننا أن نقول بشكل آخر إن ملاحظة الواقع ليست أصل المتوالية، ولكن الأصل هو ضرورة التنويع، وتجاوز الشكل الأول الذي يقدم للإنسان، أي أنه التكرار، وذلك لأن المتوالية، بشكل أساسي هي كل، لا شيء يتكرر في داخله»([26]).
لا ينفصم التحليل الموضوعي عن التحليل البنيوي، بل إن استقلالية النص وتحليله من داخله هو الذي يدعم التحليل الموضوعي، لدى الكشف عن مكونات النص وتحليل تشكلاتها ورؤاها، ومنها العتبات النصية التي تستلزم تفصيل معطياتها كذلك.
2- التأطير النظري والمنهجي للعتبات النصية:
العتبات النصية موصولة بالنص المقروء، وبالنص المكتوب، عند استقبال الرسالة الظاهرة أو الكامنة، وتلقي المعاني والدلالات في البنية النصية، ومدى المشاركة في التأويل والتقدير أثناء القراءة وإنتاج النص. وتستند القراءة النصية إلى مدلولات العلامات وبناء التأويل عند الضبط اللغوي والدلالي والتداولي، وأول مكونات النص عتباته المرتهنة بالعنوانات، والمقتطفات المفتاحية، والمرجعيات، والإحالات، وصدى الأصوات، والبدايات، إذ تؤشر العتبات النصية على تعددية المعنى، ومعنى المعنى ( ما وراء المعنى) لدى اندغام هذه العتبة النصية أو تلك بالتناص، وبالبنية الدلالية الشمولية التي تراعي سياقات إنتاج الخطاب وشرطه وتداوليته، وإدراك مفاهيم التمثلات النصية المتنوعة وتمثيلاته الضابطة أو الرابطة لعناصر التمثيل الثقافي، كالأعراف والطقوس والتقاليد والأديان والمعتقدات والأفكار.
تفضي العتبات النصية إلى فهم النص وتداخلاته وتعالقاته ضمن منظوراته الداخلية الباعثة للمعاني والدلالات والرؤى والأفكار، بمعزل عن مقاصد المؤلف في تصريحاته الخارجية عن النص المكتوب أو المقروء([27]).
رسمت العتبات النصية في النقد الأدبي في مكونات كثيرة، من أبرزها العنوانات، والمقدمات، والإهداءات، والاستهلالات، والبدايات، والحوارات والاستجواب، والإحالات، والمرجعيات، والمتناصات في أبعادها الصريحة والكامنة عند النظر في معمارية النص، أو أنماط التعالي النصي، أو عبر النص، أو التعالق النصي، أو النصية اللاحقة، أو ما وراء النص. وتحددت قواعد التحليل النصي وعتباته حسب جيرار جينيت الناظمة للسياقات التوظيفية التاريخية والنصية والوظائف التأليفية الدلالية، فيما يلي:
القاعدة الأولى، وتقف عند المظهر التركيني للعتبة النصية من حيث قدرتها التمثيلية على احتواء شروط الإنتاج النصي وبدائله، على أنها قاعدة تنظر إلى العتبة في إطارها العام كنص مواز لسياق العمل الأدبي والنقدي والفكري.
القاعدة الثانية، وتعدّ العلاقة النصية علاقة تضمينية تحقق نوعاً من التجاور والتجاور بينها وبين مكونات هذا العمل أو ذاك، والتضمين مقترح مركزي يستفاد منه تفصيل الحديث عن جملة من المقدمات التي تحقق نوعاً من التحليل السياقي الذي يجعل من العتبة بنية نصية ضرورية لإنتاج المعنى.
القاعدة الثالثة، وتعرض لها خاصية القراءة المتعددة التي ترتبط بتوظيف العتبة باعتبار سياقها النصي أو النصي الموازي المنفتح على مقاصد المؤلف وإمكانات الكتابة([28]).
بات جلياً في النقد الأدبي أن العتبات النصية ذات فائدة كبيرة في ضم التركيب الدلالي للنص الأدبي لدى تحديد وظائفه المختلفة من التسمية إلى التعيين والإشهار، استناداً إلى وعي الملفوظية والاتصال والتداولية.
أما أبرز العتبات النصية فهي، إستراتيجية العنوانات، والخطاب المقدماتي، والبدايات، والإحالات والمرجعيات، والحواريات الداخلية، والمتناصيات.
تصدّرت العنوانات واستراتيجياتها العتبات النصية إفصاحاً لهوية العلامات ومدلولاتها ومعانيها الظاهرة والكامنة من خلال حسن انتظام السيميائية والتناص والاتصال والتداولية، فثمة توكيد على وظيفية العنونة ومسمياتها وتشكلاتها وتناصاتهأ، ولا سيما التعاليات النصية، التي حددها جينيت، كما أشرنا، وشرحها سعيد يقطين، وحللها بسام قطوس، وأولها التناص، أي تلاقح النصوص عبر المحاورة والاستلهام والاستنساخ بطريقة واعية أو غير مقصودة، وثانيها المناص أو النص الموازي، ويقصد به كلّ ما يخصّ عنوانات النصوص وعنواناته الفرعية، ومقدماته وذيوله وصوره وكلمات الناشر وسواها، وثالثها ما وراء النص عند التعليق الذي يربط نصاً بآخر يتحدّث عنه دون أن يذكره أحياناً، ورابعها النص اللاحق، أو النص المفرع، الذي يقوم على علاقة تجمع النص بنص سابق أو لاحق، تحويلاً أو محاكاة، وخامسها معمارية النص، وهو النمط الأكثر تجريداً وتضمناً في التعمق النصي. وتشير سمات العنوانات وتناصاتها إلى علاماتها اللسانية والتصورية والعيينة الدّالة للمحتوى العام للنص([29]).
تأصلت مكانة العتبات النصية عند الارتباط بالمنهجية المعرفية والعلمية لهذا الاتجاه النقدي أو ذاك، وفي مقدمتها العلامية أو السيميائية والتأويلية، وكلاهما شديدتا الالتزام بالدلالة والتداولية، ولا سيما فهم الملفوظية أو البنية، وفهم الاتصال الأدبي بمستوياته الفعلية والنصية والخطابية الضابطة لحركية الدوال وانفتاحها على عالم النصوص والخطابات، إذ تشكل بنية المعنى المستوى النصي، وفاعلها الرئيس هو تأويل المتلقي لمنهج تحليل العنوان، لغة ونصاً وخطابا، وقوامه:
آ – الحديث عن نصية العنوان لا يحصر الجهد التحليلي في لغته فحسب، بل يدخل العمل إلى مساحة التحليل بحكم العلاقة الاقتضائية.
ب – اعتبار العنوان مرسلة مكتملة هو إمكان قائم، غير أنه لا يتحقق إلا في المستوى النصّي.
ج – يمثل تركيب العنوان، هذا المعيار المتنحى، بنية التفاعلات النصية.
د – للمفاهيم النحوية دورها الفاعل في بناء المستويين النصي والخطابي([30]).
كان الخطاب المقدماتي، إلى جانب وظيفة البدايات، والمرجعيات، ذا أهمية فائقة في العتبات النصية، واندرج هذا الخطاب، ضمن الخطابات الموازية للنص المقروء أو المكتوب لإبداء المكونات الفكرية والرؤى الداخلية والخارجية من حوار الذات إلى حوار الآخر والأشياء دعماً للمنظورات الثقافية، وهناك مرتكزات بنائية لهذا الخطاب من شأنها أن تفصح عن المتتاليات والمتواليات النصية في الظاهر والباطن لإشعاع الرؤى بين النص ومتلقيه، ولا تنفصم هذه المرتكزات عن جذور النص التي تنتج نوعين من الخطابات المقدماتية، هما خطابات متصلة وأخرى منفصلة، أي الارتباط بالملاحم والكتابات الأولى من جهة، وبداخل النص من جهة أخرى، بينما توسع الخطاب، وقارب الموضوعات المعالجة في مدى وظيفية الجذور النصية. وساهم الخطاب المقدماتي في ثراء التنويع الأدبي وأنواعه وأجناسه لجواز "التعدد الذي ينتج المعاني والرؤى القادرة على التقاط لحظات الواقع الأكثر التباساً".([31])
وعمّق الناقد شعيب حليفي أنواع الخطاب المقدماتي، الذاتي، عند كتابه المؤلف نفسه، والغيري، بكتابة شخص آخر حول النص، كالناقد المتخصص أو الكاتب المعني بالحسّ الجمالي والمعرفي، والمشترك، القائم على شكل حوار أو استجواب بين الكاتب والروائي للجمع بين الذاتي والغيري لإنجاز حوار مشترك، عن موضوع النص ورؤاه، "وبعض الإضاءات التي تنير سبيل المتلقي، فيحقق بذلك وظيفتين متلازمتين: وظيفة إشهارية من جهة، ووظيفة إشعاعية لبعض الجوانب التي لا يعرفها سوى الكاتب"([32])
تنوعت المقدمات إلى تقريظية، أو نقدية، أو موازية للنص، ومحتوياتها الحوارية، أو المقدمات الشعرية، أو العناصر السردية، أو التفسيرية...إلخ. وتتكامل المقدمات منع البدايات المساهمة في فهم آليات تشكلات النصوص نحو الإفصاح عن وظائفها البلاغية والإبلاغية. ولا تنفصم المقدمات والبدايات عن المرجعيات نشداناً للدال والمدلول لتنوير الوقائع التاريخية والوثائق والمذكرات والاعترافات والمواقف...الخ.
وهناك عتبات نصية ذات فائدة أقل في التدليل على المعاني والمدلولات مثل عتبة كلمات الغلاف النصي وصورة وأغلفته والمدلولات مثل عتبة كلمات الغلاف النصي وصوره وأغلفته والإهداءات، على الرغم من عناية عبد الفتاح الحجمري بها، فقد رأى أنها تتبادل التأثير مع النص، وتتعالق نصياً مع محتواه، بوصفها "أحد المداخل الأولية لكل قراءة ممكنة للنص، وفق ما رام هذا التحليل إلى إبرازه وتوضيحه"، وأشاد بالعبارات المفتاحية التي يضعها المؤلف في مطلع النص، وعاملها كمتلفظ ([33])، غير أن هذه العتبات النصية نتاج خارجي، وهي محكومة بانفتاحها على البنية النصية، ولا تخرج "عتبة الشكر والتنويه" عن هذا التأطير النظري والمنهجي، لأن العتبات النصية الأقوى هي اندغامها مع مفاهيم التناص، والتعالقات مع المرجعية التاريخية والسيرية ضمن دواخل النص بالدرجة الأولى.
إن العتبات النصية قائمة على "تمحيص مفاهيمها وآلياتها الداخلية ضمانة للإتساق والانسجام نحو التقليل من التعسف والمبالغة والدلع بالشكلانية([34])، وتفيد هذه العتبات النصية تعمق الاتجاهات النصية والعلامية والتأويلية بالاستعمال النقدي والمعرفي على ثرائها وتنوعها وتعقيدها من اللغة والاتصال والتداولية إلى الدلالة والمعنى ومعنى المعنى.
3 – رواية "الرعشة" لأمين الزاوي أنموذجاً:
ألف أمين الزاوي روايات عديدة باللغتين العربية والفرنسية منذ عام 1985، وتتشكل سردياتها، في غالبيتها، على تثمير العتبات النصية، ولا سيما العنوانات، والمفاتيح، والمرجعيات، والاسترجاعات، والحوارات الداخلية، والمتناصات ، وأختار روايته "الرعشة، إمرأة وسط الروح... حكاية أطراف الريح" أنموذجاً (1999).
تدور الرواية حول خلل الأوضاع التاريخية والاجتماعية والإنسانية في الجزائر تحت وطأة همجية المفسدين وخطاياهم وغواياتهم الجارحة للعلاقات الوطنية بما ينشر الأضرار في دواخل المجتمع الجزائري. وقد بنى الزاوي روايته في القلق الموجع لدى شخصيات مقهورة إلى حدّ الفناء الذاتي من حال إلى حال، وكأن سيرورات الحياة اليومية لا تفترق عن مخاوف موت الحياة.
تجلت العتبات النصية في العنوان الرئيس "الرعشة"، وظلاله من الصوغ اللفظي إلى الدلالات الكامنة، ومن ظاهر الكلام إلى مكنونات المعنى ومعنى المعنى، ويتبدى الانزياح من البديع "الروح" و"الريح" إلى البيان وعلامات المعنى في توظيف المجاز نحو مدلولات عناء الوجود روحاً متأرقة برعشات الاضطهادات والضغوط والمخاوف.
أما المفتاح الأول في الإهداء، فموجه إلى أطفاله الذي تفنيهم معه مخاطر العيش من بيئة لأخرى، ومن مكان لآخر، فهم يجوبون معه قفار المنافي وصهد الأمكنة غير الرحيمة في كل شاطئ، منذ عيشهم في وهران إلى إقامته في باريس بضيافة البرلمان العالمي للكتّاب خشية من التضليل والعنف والإفساد، وألمح مفتاح الإهداء في عتبته النصية إلى مجازية المواطنة القلقة من عبث العابثين ومساوئ السيئين وتآمر المتآمرين، فكان الخوف الناتج عن الخيانة في وهران، وظلت مدينته المعّبرة عن جوهر وطنه الجزائري "مرفئاً في القلب وفي الحرف"([35]).
تكاثرت الإحالات في الرواية إلى الأسماء والأماكن والأِشياء التاريخية والوطنية، وتعالقت هذه الإحالات مع الاسترجاعات من الوقائع العامة والذكريات الخاصة إلى المخاوف والمظالم التي لا تنفصم عن ظل الموت في المقابر، ومواقع الحياة في الوقت نفسه، فالوقت كلّه ظلام، والشتاء مدّ الليل إلى النهار، والخلافات إلى جوهر العلاقات البشرية، فقد وقف الراوي على قبر خالته في "أمسيردا"، وهي القرية العجيبة حسب تسجيل ابن خلدون في مؤلفه الشهير "المقدمة"، وتكررت الإحالة مع الاسترجاعات الذاتية الماضية والراهنة وتأثيراتها المستقبلية كالإحالة إلى ذكر "ضريح الولي الصالح سيدي معتوق"، وقبيلة "تاع الدامت"، والتحنيط المصري في "أسوان"، وعادات "القبر العامر"، وقبور المسيحيين، ومواضع الصليب ونجمات اليهود السداسية، وتؤشر هذه الإحالات والاسترجاعات إلى المؤامرات الخارجية واستهدافاتها وتعامل الفتن الداخلية معها. وصارحت استرجاعات "مربع مقبرة النصارى" إلى إحالات التسييس الضاغطة على الوطن والمواطن في آن واحد، كقوله: "أما المؤامرة التي تحاك ضدي فسببها مربع مقبرة النصارى، إذ أوكلت إليّ جمعية فرنسية إسبانية رعاية قبور أجدادها، وذلك بسقي نباتها وتقليم صنوبرها، ومسّح شواهدها، وتقديم الورود الصفراء لأمواتهم، كل عيد الأموات التوسانة Le Toussain الذي يصادف كل أول من نوفمبر الذي هو أيضاً عيد انطلاق الثورة الجزائرية" ([36]).
أفضت عتبات الإحالات والاسترجاعات النصية إلى مدلولات الوحشة والجور والظلم على الوطن والمواطن ، كما أشرنا، فالدفن مع النصارى سليم، بينما الأموات المسلمون "لا عيد لهم".
كثرت الإحالات والاسترجاعات لتعميق المدلولات، كذكر عناء الوجود أمام شياطين الجريمة، شأن معاناة شخصيات رواية "الجريمة والعقاب"، ومكامن كتب "أزهار الشر" لبودلير، و "مدار السرطان" لهنري ميللر، و "النبي" لجبران خليل جبران، و "رسالة الغفران" للمعري، و"الجحش" لابوليوس، "والفن والثورة" للينين، وكتاب "اليوغا"...الخ. بينما أفادت الإحالة إلى الشاعر زهير بن أبي سلمى و "كتاب العرفان في وصف الخلان" إلى الغرابة والاغتراب والجدل والهزائم ووهن الحياة في الشراسة الهمجية والعنف الموجود في الحياة اليومية.
لطالما تشاغلت الإحالات مع الاسترجاعات في إعادة الأحوال الماضية وتشدد الأوضاع الراهنة الموجعة كالقول: "كلام رئيس البلدية مخيف ونضالي، وأمي لا تريدني أن أكون مناضلاً، إنها تريدني أن أكون ابنها وكفى" ([37]).
هناك الاستعادة التي تستحضر الوقائع وامتداداتها إلى المخاطر الحالية، فقد ودعته أمه، وخاطبته: "ستكون زهرة في مقامي، لقد انتهى زمن الخصام بيننا".([38]) ثم وجد الراوي المظلوم أن خياراته مع الإيمان بالله والأمان بالسلوك الحسن عند دعم الاستقلال الوطني والقومي وحماية الذات ومواجهة العذاب ومحاربة الفساد والفاسدين: "سأضع حياتي في خدمة الله، ولو تطلب ذلك الذهاب إلى أفغانستان أو الباكستان أو آخر الدنيا"([39])
تزايدت عتبات الحوار الداخلي النصية في النجوى، فقد حرص الراوي على وعي الأوضاع المعقدة بتصرفات الأفراد والجماعات ، مما دعاه إلى حفظ القرآن مثل أبيه الطيب وجده الذي كان عالماً كبيراً، ألف خمسة كتب في النحو والصرف، وكتاباً في عروض الشعر، ومثله في الفقه المالكي، ووضع شجرة العائلة التي أعاد نسبها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يتعارض هذا الوضع مع أصلهم البربري، وأسمائهم المختلفة عن أسماء العرب نطقاً وكتاباً، على الرغم من السخرية إزاء شجرة العائلة التي لا طائل من معرفتها، سوى الشك عند المدوخين في العلاقات العربية والإسلامية.
ارتبطت أيضاً عتبة الحوار الداخلي النصية مع الإحالات مثل "الأرض اليباب"، كالتصريح: "وبدأ اليباب في الأرض والخراب في الروح".([40]) واسند الإيمان والسلامة إلى مدح الرسول وتعظيم الله تبارك وتعالى عند ترسيخ الثورة ومواجهة الاعداء الداخليين والخارجين "فيصبغها علي، يؤنث جمله، ويرسلها من البلكون"([41]).
وثمة مجاهرة للحوار الداخلي مع إدانة المفسدين والمهربين، فالقرية أصبحت مباءة، "وتحول أهالي القرية جميعهم إلى مهربي بنزين لبلاد خلف الحدود، فيجلبون من ذلك البلد الحشيش والويسكي والألبسة النسائية الداخلية، وكثير منهم ماتوا في مشادات مسلحة مع دوريات حرس الحدود أو الدرك الوطني أو العسكر"([42]).
تعمّق الحوار الداخلي مع وصف جذور الأصولية الإسلامية انتقاداً لفجائع هؤلاء المسيئين للإسلام وسلامته وأمانه، لأنهم أوغلوا في الهذيان والعدوان، أما الإسلام فهو الذي يمنع التوغل في هذا الهذيان أو العدوان، كلما تحقق صدق الانتماء وصلابة الذات الأمينة والمؤمنة بالإٍسلام.
فاضت العتبات النصية في المتناصات عند المروي له بخاصة، وفي الخطاب السردي بعامة، كأن يرتبط المنظور الروائي بالمقاصد والأهداف في ضبط التحفيز (تنامي الفعلية) الجمالي من ذكر الوقائع إلى تناميها الفعلي مع المتناصات، كالأشياء، والأماكن، والتواريخ، والمواقف، والقضايا، والرؤى ، وافلح الروائي الزاوي مع ربط المتناصات مع المرجعيات في المحتوى النصي الروائي، كالأمثال، والأديان، وعناصر التمثيل الثقافي الأخرى كالمعتقدات، والتقاليد، والأفكار...الخ. إننا نقرأ الأمثال لضبط الدلالات، مثل "يأكلون الغلة، ويسبون الملة"، و "الغيرة ترقص أميرة، وتحول العاقلة هبيلة". واعتمد الراوي على حفظ القرآن الكريم والحديث الشريف والسيرة النبوية، والعلاقات مع النصرانية المسيحية في المتن الروائي مثل:
- "فلا تسمع سوى أنفاسهما المتصاعدة والمتقطعة، وحركات جسديهما مصحوبة ببعض الأنين أو الحنين. سبحان الله يتخاصمان ضوء النهار ويتعانقان ظلمة الليل. كان الليل بهما رحيماً! وكان حليماً!"([43])
- "وذات صباح هّج عبد الله إلى بلاد النصارى، قائلاً: تلك رحيمة بي واختفى!"([44]).
- "اقترب من مهوى الخطيئة.. سبحان الله، يتغير الإنسان كما الفصول تتغير، حين غابت زهرة في مطبخها"([45]).
ثم زادت العتبات النصية الرابطة بين المتناصات والمرجعيات في المواقف والقضايا والرؤى للكشف عن جروح الجزائر المعاصرة، من العمالة الخارجية إلى الدخول في الخطايا، كأن يرتبط الكثيرون بأفغانستان أو الغرب الأجنبي مما يتطلب من الأهالي والمواطنين أن يشكلوا لجان الدفاع عن وطنهم ومواطنيهم وأمتهم العربية والإسلامية، وختم النص الروائي بالدعوة إلى تعديل المواقف والقضايا دفاعاً عن الوطن والأمة: "وأنا في حضن زهرة أقول مستسلماً، وقد أحسست أن روح أبي نبتت حكاية جذرها في مطمورة الحوش العالي وفرعها في قلبي:
- ها أنا أعدّل مجرى الساقية"([46])
أفصحت العتبات النصية في رواية أمين الزاوي عن عمق قضايا الوجود الوطن والقومي إدانة للفاسدين ومفاسدهم في انتشار الخلل التاريخي والاجتماعي والإنساني ضمن مسالكم الظالمة والجائزة في المجتمع الجزائري.
3- رواية ((عواصف جزيرة الطيور)) لجيلالي خلاص أنموذجاً آخر:
بنى جيلالي خلاّص روايته "عواصف جزيرة الطيور، المطر والجراد" على العتبات النصية بالدرجة الأولى باستخدام الغلاف ولوحته، والإهداء، والمفتاح (المقدمة) ، وكلمة الغلاف الأخير، واستغرق في تنوير مدلولات النص الروائي توسعاً في العنوانات الداخلية، والمتناصات، والمرجعيات، والحواريات، والتسميات، والإحالات، والإخباريات، وارتبطت الرواية بعامة مع التاريخ والواقع في الجزائر، منذ الاحتلال الفرنسي عام 1830، إلى أحداث الإرهاب الداخلي وفتنه المروعة بالقتل والاغتيالات والدمار السياسي والاجتماعي عام 1988، ولسنوات تقترب من العقد حتى نهاية تسعينيات القرن العشرين.
أ- الغلاف والعنوان: يوحي العنوان بمدلولات التوريه والعلامات، في التسمية وإشاراتها وصورها مثل "عواصف جزيرة الطيور "ترميزاً إلى توصيف معاناة الجزائر من الإرهاب الداخلي وتشابكاته مع العدوان الخارجي، وتعالى الترميز بالعنوان الآخر" المطر والجراد" إلماحاً إلى التأزم الوطني والقومي، خارجياً وداخلياً. وضم الغلاف لوحة دافيد إسكافارو "الطفل الذي يبكي"، استفادة من ترميز الصورة الباعثة لجوهر الحياة الروحية الموجعة من فوضى الحياة السياسية والاجتماعية وتناقضاتها، وتكاثر مضاداتها، إذ لا يرى القارئ في الصورة سوى القتل والدمار والحطام والموت وبكاء الطفل، أي تلاشي التنشئة والتكوين في ظل الإرهاب والعدوان.
وأدغم الغلاف وعنوانه وصورته بالإهداء، إثارة لانتشار الفساد والقتل منذ تشرين الأول عام 1988 في الجزائر، على أن الأهداء غير مخصوص باسم معين، بل يشير إلى علامة شاملة عن الفجائع: "إلى ذلك الشاب المجهول الذي كان يقف أمامي، وفجأة أصابته رصاصة، فتهاوى بين يدي واهباً إياي حياة ثانية منذ يوم 7 أكتوبر 1988"([47])
وتضمنت كلمة الغلاف الأخير ربط الإرهاب الداخلي بالعدوان الخارجي عند السؤال: ماذا وقع بجزيرة الطيور يوم الخامس اكتوبر سنة 1988، وما علاقة ذلك بيوم الخامس جويليه 1830؟ وروت الكلمة جانباً من سيرة شخصية الرواية الرئيسة، الصحافي الراوي، الذي يريد كشف الحقيقة، بيدأن عصابة "الأع" تلقي عليه القبض وتسجنه. وكشف الراوي في مروياته الأوضاع التاريخية والواقعية في الجزائر وصولاً للحقيقة بالسؤال عن: من أغتال الكاتب منصور والمؤرخ قادر؟ من هما صاحبا الجثتين الآخريين اللتين رماهما البحر مع جثتي الكاتب والمؤرخ؟ ثم، هل هناك تشابه بين حياة القديس أوغستين وحياة الأمير عبد القادر الجزائري، على الرغم من الفاصل الزمني الكبير بينهما؟ إنها أسئلة كبيرة، وسعى الروائي إلى دعم المنظور الروائي بتفعيل مكونات النص الروائي ومكانة العتبات النصية في إثراء الدلالية والتداولية للإجابة عن مشكلات الإرهاب والعدوان وإشكالياتها المتشابكة.
ب- المفتاح، المقدمة: تداولت العتبة المفتاحية مع سيرة الأمير المجاهد عبد القادر الجزائري في مواجهة الاحتلال الفرنسي، بخط محمد بن الأمير نفسه، إشارة إلى دوام العمران في الجزائر وتقدمه، على الرغم من مأوى الفتن وعش الأهوال والمحن وتداعيات المصائب والنوائب تحت وطأة المآسي الاجتماعية والإنسانية في الداخل ومن الخارج.
ج- العنوانات الداخلية: توزعت الرواية إلى قسمين، الأول "النوارس تحتمي بالغيوم الصيفية"، توكيداً على أن المقاومة الخارجية لا تنقطع عن المواجهة الداخلية، وأشار القسم الثاني" الدمعة التي تحولت إلى قطرة ملح..." إلى تكاثر الفجائع الداخلية التي لا تنفعم عن الطغيان الخارجي وتسلطاته على العرب والمسلمين، وركز الراوي على عنوان داخلي، توصيفاً وترميزاً، للقتل والاغتيال والتعذيب والخراب والحطام، من خلال عنوان "نهاية بو معزة"، فقد كان عام 1846 صعباً على جيش الاحتلال الفرنسي "بسبب تجدد مقاومة الأمير عبد القادر وحركة بو معزة ورفاقه، فجنّد المستعمرون قوات كبيرة، ووجهّوها إلى المنطقة بقيادة كل من الضابط ماري مونج والجنرال هير بيون، وخاض الثوار ضدهما معارك كثيرة في حوض وادي مينة بالشلف، وفليتة خلال جانفي /فيفري 1847، وعجز بو معزة عن الصمود أمامها، فانسحب إلى الظهرة، ومن ورائه مونج"([48]).
كانت نهاية بو معزة باعتقاله وإرساله إلى المعتقل في باريس، ثم فراره من السجن، واعتقاله ثانية، وتسريحه عام 1852 بعد تسريح الأمير عبد القادر، وسافر إلى تركيا والعراق، وأقام فترة في بغداد، وانتقل إلى دمشق، وجادر الأمير عبد القادر مدة من الزمن قصيرة، ثم رجع إلى الجزائر أملاً في تجديد حركة الكفاح، لكنه مات بمرض الكوليرا.
د- الراوي المتكلم ومتناصاته: تضمن المروي أوضاع العدوان والإرهاب من الخارج وفي الداخل وتشابكاتهما المفجعة في أزمة الذات القومية، "ففرقتنا الأزمة غامرة السواقي والوديان والشعاب بدماء بعضنا البعض، وإن كان ذلك، كثيراً، ما يغير تلك المآسي الهادرة كأمواج البحر الغضوب هذه إلى ثورة عارمة تجتث برائن التفرقة، وتغرس في قلوبنا ذلك الأمل الكبير الذي ما أنفك يراودنا في خلق عالم حلموي"([49]).
وازدادت المتناصات الكاشفة لدلالات هذه العواصف العدوانية والإرهابية، وتصدّرها التناص مع الاستهداف الأوروبي والأمريكي على العرب والمسلمين كقوله: "دبّابّات وهلكوبترات ورشاشات وجيبات (جمع جيب: السيادة الأمريكية الشهيرة)، وقنابل مسيلة للدموع، من هجة، وصدور فتية عارية تحصد فيتفجر الدم القاني من قلوبها الغضة البريئة سافحاً على الشوارع والأزقة، ومتطايراً من على الشرفات والنوافذ والأشجار المبهوتة، من جهة أخرى"([50]).
تعددت أشكال المتناصات اندغاماً بالتورية والترميز والأسطرة والملحمية من جهة، وبالحوار التاريخي من جهة أخرى، فهناك تناصات مع الأسماء والأشياء والأماكن والأزمنة، مثل إشهاد التاريخ المشهود، خمسة أكتوبر" (ص12) و"اقيانوس تعاسة ربما أسرنا قروناً "(ص13)، و
maynou amina 2011-01-15 10:13:52 |
maynou amina |
اريد استخراج توكيد مع الاداة من النص تحية و اشادة
اريد الرد بسرعة من فضلكم و ارجو ان تكبلو التعليق
|
maynou amina 2011-01-15 10:10:21 |
maynou amina |
اريد استخراج توكيد مع الاداة من النص تحية و اشادة
|

عبد الوهاب الأسواني في كرم...
عبد الوهاب الأسواني في كرم العنب د. صلاح فضل عبدالوهاب الأسواني مبدع كبير, حصل علي جائزة الدولة التقديرية في الآداب هذا العام بجدارة, ينتمي إلي الصعيد الجواني...

كرم العنب تحفة عبد الوهاب...
كرم العنب تحفة عبد الوهاب الأسواني أحمد الخميسى \" كرم العنب \" هي الرواية السادسة للكاتب الكبير عبد الوهاب الأسواني يتوج بها رحلة أدبية بدأها عام 1970 بروايته \" سلمى الأسوانية \". ولعلها...

عبد الوهاب الأسوانى وإبداعه...
عبد الوهاب الأسوانى وإبداعه الجنوبى المشحون بالرمز يوسف الشارونى ولد الأديب عبد الوهاب الأسوانى فى السابع عشر من يناير عام فى جزيرة المنصورية التى تتوسط نهر...
ترجمة الرواية العربية !
هل تعتقد أن ترجمة الرواية العربية تؤدي لانتشارها الكبير؟
تجربة أمير تاج السر في التواصل مع قرائه
الطاهر بنجلون والربيع العربي والانتهازية والتبعية
أمير تاج السر- الروايات المنشورة ، هل يمكن إعادة كتابتهتا
تجربة إنسانية للروائية لنا عبد الرحمن
تجربة الروائي خوليو كورتاثار- في - البساتين المتصلة
تجربة الروائي محمود سعيد..من البندقية المشؤومة إلى زنقة بن بركة *
التجربة الروائية لواسيني الأعرج
خلوة الغلبان *للروائي إبراهيم أصلان (بلاغة الإيجاز) د. عبد الجبار العلمي-


